شؤون آسيوية – ديما دعبول –
في عام 2026 لم تعد حدود سوريا مجرد خطوط جغرافية تفصلها عن دول الجوار، بل تحولت إلى مساحات أمنية مغلقة تتقدم فيها الجدران الإسمنتية والتحصينات العسكرية كأحد أبرز ملامح المشهد الإقليمي.
فبعد أكثر من عقد على اندلاع الصراع السوري اتجهت دول محيطة إلى تشديد سيطرتها الحدودية عبر بناء جدران وأسوار وأنظمة مراقبة متطورة، في محاولة لاحتواء تداعيات مستمرة تشمل التهريب، وتسلل الجماعات المسلحة، وتجارة المخدرات، والهجرة غير النظامية.
هذه الجدران، التي تُبرَّر رسمياً بدواعٍ أمنية، تعكس في الوقت ذاته تحولات أعمق في طريقة تعامل الإقليم مع سوريا، حيث تتقاطع المخاوف الأمنية مع الحسابات السياسية، لتصنع واقعاً جديداً يعيد تعريف معنى الحدود ودورها في مرحلة ما بعد الحرب.
التحصينات العراقية على الحدود مع سوريا: جدار إسمنتي متقدم
في العام 2026 برز العراق كأحد أبرز الدول التي تعمّق تحصيناتها على حدوده مع سوريا.
حيث أعلنت القوات المسلحة العراقية أن نسبة إنجاز الجدار الخرساني الأمني على طول الحدود مع سوريا بلغت حوالي 80 %، ضمن مشروع أكبر لتأمين الحدود ضد التسلل والتهريب والتهديدات الإرهابية.
هذا الجدار لا يُعد تحصيناً منفرداً، بل هو جزء من بنية أمنية متعددة الطبقات تشمل إلى جانبه أسلاك شائكة وخنادق مراقبة، بالإضافة إلى تجهيزات حديثة مثل كاميرات حرارية لمراقبة الحركة على امتداد الحدود.
تصريحات المسؤولين العراقيين أكدت أن المشروع يأتي في سياق تعزيز الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي، مع توجيه بأن يُستكمل بناء الجدار بأعلى المواصفات، بالتوازي مع تدابير أخرى تهدف إلى منع تسلل عناصر إرهابية، ومن ضمنها عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من سوريا إلى العراق.
السياق الأمني العراقي: من مراقبة الحدود إلى إدارة التهديدات العابرة
إلى جانب بناء الجدار، أكدت وزارة الداخلية العراقية أن الحدود مع سوريا أصبحت من أكثر الحدود تحصيناً مقارنة ببقية الحدود العراقية، ويُعزى ذلك إلى خطة أمنية استراتيجية تمتد لسنوات، استشرفت فيها بغداد المخاطر القادمة من الاضطرابات في سوريا.
هذه التحصينات لا تُعالج فقط التسلل والتهريب، بل هي أيضاً جزء من جهود أوسع لتثبيت الأمن الداخلي العراقي في مواجهة تقلبات الوضع في سوريا، لا سيما في ظل استمرار صراعات مسلحة وتغيرات في السيطرة على مناطق واسعة هناك.
المشهد الإقليمي: جدران أخرى وتدابير حدودية متعددة
على الرغم من أن الحديث تركّز في 2026 حول التطورات العراقية، إلا أن الدول المجاورة لسوريا تتبع سياسات حدودية متنوعة لأسباب أمنية وأحياناً سياسية:
تركيا قامت خلال السنوات الماضية ببناء جدار أمني طويل على الحدود مع سوريا بهدف مكافحة التهريب والهجرة غير النظامية، وقد تضمنت جهودها استخدام تقنيات مراقبة متقدمة رغم أن المشروع اكتمل قبل عدة سنوات.
إسرائيل أطلقت مشاريع تحصين حدودي مع الأردن، تشمل بناء حواجز وأسيجة مع تقنيات “ذكية” تشمل حساسات ورادارات، في إطار إستراتيجيات أمنية أوسع تشمل الحدود الشرقية.
هذه التحصينات المختلفة لا تقتصر على جدران خرسانية فقط، بل تقترن عادة بشبكات مراقبة إلكترونية ومعدات متقدمة، ما يعكس توجهاً إقليمياً نحو رفع مستوى السيطرة على الحدود في مواجهة تحديات معقدة.
الجدران وتحولات المشهد السوري: مؤشرات أمنية وسياسية
إن بناء الجدران والتحصينات على حدود سوريا لا يمكن فهمه بمعزل عن التطورات على الأرض داخل سوريا نفسها.
فمنذ بداية 2026، تشهد الساحة السورية تحولات أمنية عميقة مع استمرار توترات بين القوات الحكومية وبعض الفصائل، وتغيرات في خطوط السيطرة في الشمال والشرق.
مثل هذه التحولات تُثير قلق الجوار حول التسليح عبر الحدود والهجرة غير النظامية، وهو ما يدفع الدول لوضع تدابير أمنية حدودية مضادة بدلاً من الاعتماد على التعاون الثنائي فقط، في ظل تقلّبات الحرب والصراع المستمر.
بين الأمن والتحوّل الإقليمي
الإجراءات التحصينية على حدود سوريا في 2026 تمثل تجاوباً عملياً مع تهديدات أمنية متعددة الأوجه، لكنها أيضاً تُبرز مدى التشابك الإقليمي الذي يحيط بالصراع السوري.
الجدران ليست مجرد أسوار خرسانية، بل هي أدوات في استراتيجيات أمنية وسياسية تتفاعل مع التغيرات داخل سوريا وخارجها.
في هذا السياق تظهر الحدود كمنطقة ديناميكية تتقاطع فيها المخاوف الأمنية والتحولات السياسية والاختبارات الإقليمية، ما يجعل فهم هذه التحصينات جزءاً من قراءة أوسع لمستقبل المنطقة.

