شؤون آسيوية –
استعادة الحكومة السورية لحقول النفط في الشمال والشرق لم تكن مجرد خبر عسكري عابر، بل لحظة مفصلية تعيد ترتيب علاقة الدولة بثروتها الطبيعية، وباقتصادها، وبسيادتها النقدية.
منذ بداية الحرب، خرجت معظم الحقول النفطية السورية عن سيطرة دمشق. الشرق والشمال الشرقي – حيث الكتلة الأساسية من الإنتاج – تحولا إلى مناطق نفوذ لقوى محلية مدعومة خارجياً، وعلى رأسها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). هناك، جرى استنزاف الحقول بأساليب بدائية، وبيع النفط خارج الأطر الرسمية، وتفكيك منظومة إدارة الموارد التي كانت الدولة تشرف عليها قبل 2011.
النتيجة كانت واضحة، انهيار إنتاج النفط من قرابة 385 ألف برميل يومياً في 2010 إلى أقل من 30–40 ألف برميل في ذروة الحرب، وتحول سوريا من دولة مصدّرة إلى دولة تستورد النفط والغاز لسد حاجتها.
في هذا السياق يأتي التقدم الأخير للجيش السوري غرب وشرق الفرات، والسيطرة على حقول “صفيان” و”الثورة” وعقدة الرصافة في ريف الرقة، ثم استعادة حقل العمر النفطي الأكبر في البلاد، ومعمل كونوكو للغاز في دير الزور، ما أعاد إلى الدولة مفاتيح الخريطة الطاقوية السورية.
ما الذي استعادته الدولة فعلياً؟
الحقول التي دخلت تحت السيطرة الحكومية ليست كلها كبيرة الإنتاج اليوم، لكنها تشكل العقد الحيوية لشبكة النفط السورية، فمثلا، ينتج حقل صفيان وحقل الثورة كميات متواضعة نسبياً، لكنهما يرتبطان بخطوط نقل النفط الخام القادمة من الحسكة ودير الزور إلى مصفاة حمص، كما أن عقدة الرصافة ليست بئراً نفطياً بحد ذاتها، بل مفترق خطوط ضخ وتخزين وتوزيع، من يسيطر عليها يسيطر على حركة النفط شرق الفرات باتجاه الداخل السوري.
هذه الحقول قيمتها الاستراتيجية أعلى من قيمتها الإنتاجية المباشرة، فهي تقع على الشريان الرئيسي الذي يبدأ من رميلان في الحسكة، يمر بالجبسة جنوباً، ثم الرصافة، وصولاً إلى مصفاة حمص، وأي انقطاع في هذا الخط يعني شل جزء كبير من منظومة التكرير السورية.
وبالنسبة لدير الزور، فقد تم استعادة حقل العمر – أكبر حقول البلاد – وحقل التنك والجفرة ومعمل كونوكو للغاز، وإنتاج حقل العمر وحده، قبل الحرب، نحو 80 ألف برميل يومياً، ويُقدّر إنتاجه الحالي بنحو 20 ألفاً بعد سنوات من الاستنزاف والإهمال. فيما يُعد معمل كونوكو كان أكبر منشأة لمعالجة الغاز في سوريا بطاقة تقارب 13 مليون متر مكعب يومياً قبل تدميره الجزئي وتوقفه.
ماذا يعني هذا مالياً ونقدياً؟
حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية كان واضحاً، حيث قال إن عودة الموارد إلى الإطار المؤسسي تعني إعادة ضخ السيولة في القنوات الرسمية، فحين تبيع الدولة النفط والغاز عبر شركاتها ومصافيها، تدخل الإيرادات إلى الخزينة، لا إلى اقتصاد ظلّ أو شبكات تهريب، ما يسمح للسلطة النقدية بإدارة الكتلة النقدية بشكل أفضل، وضبط السيولة، ودعم استقرار الليرة.
والدولة التي تمتلك مواردها تستطيع تمويل جزء من نفقاتها دون طباعة عملة بلا غطاء، وتستطيع أن تقلل من استيراد المشتقات بالعملة الصعبة، إذ إن كل برميل يُنتج ويُكرر محلياً يعني تقليل ضغط على الاحتياطي الأجنبي، لهذا تحدث الحصرية عن “تعزيز السيادة المالية والنقدية”، وربط ذلك حتى بمشاريع مستقبلية كإطلاق عملة وطنية جديدة ضمن أسس مهنية مدروسة.
ماذا عن الكهرباء والغاز؟
النفط في سوريا مرتبط عضوياً بالكهرباء، حيث إن أغلب محطات التوليد تعتمد على الغاز والفيول، وبحسب الإحصائيات الحالية، تنتج سوريا اليوم نحو 7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، بينما تحتاج منظومة الكهرباء إلى حوالي 18 مليوناً لتعمل بكفاءة، أي أن الفجوة بحجم 11 مليون متر مكعب يومياً.
ضخ الغاز من حقول الجبسة في الحسكة إلى محطة فرقلس في ريف حمص بمعدل يقارب 1.2 مليون متر مكعب يومياً خطوة مهمة، لكنها ليست كافية وحدها، ومع عودة كونوكو ومعامل أخرى للخدمة تدريجياً، يمكن نظرياً رفع الإنتاج المحلي بشكل ملموس خلال عام أو اثنين إذا توفرت الاستثمارات والتقنيات.
تحديات ثقيلة
قبل الحرب، كان النفط يمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي السوري، ونصف الصادرات، وأكثر من 50% من إيرادات الدولة، إلا أن هذا الوزن الثقيل اختفى تقريباً بعد 2011، واليوم، حتى مع إنتاج 110 آلاف برميل يومياً (رقم تقديري بعد دمج إنتاج الحقول المستعادة)، لا تزال سوريا بعيدة جداً عن مستويات ما قبل الحرب.
استعادة الحقول لا تعني أن النفط سيعود، فالبنية التحتية دُمّرت جزئياً أو كلياً في كثير من المواقع، كما تعرضت رؤوس الآبار، محطات الضخ، وحدات المعالجة، خزانات التخزين، وخطوط الأنابيب لتخريب ونهب واستخدام بدائي، وذلك بحسب تقرير أممي قدّر خسائر قطاع النفط والغاز بأكثر من 115 مليار دولار بين 2011 و2023.
هناك أيضاً مشكلة المكامن نفسها، إذ إن سنوات الاستخراج العشوائي، خصوصاً عبر الحراقات البدائية، أضرت ببعض الآبار بشكل دائم، خاصة وأن النفط السوري في معظمه ثقيل وعالي الكبريت، ويحتاج إلى تقنيات متقدمة لاستخراجه وتكريره بكفاءة، ما يعني أن رفع الإنتاج ليس مجرد قرار سياسي، بل استثمار بمليارات الدولارات في التكنولوجيا والبنية التحتية.
البعد الجيوسياسي
السيطرة على النفط ليست اقتصادية فقط، بل سياسية بامتياز، حيث كان شرق الفرات طوال سنوات مساحة نفوذ أمريكي غير مباشر عبر دعم “قسد”، لذا فإن عودة تلك المناطق إلى سلطة دمشق تعني تغيراً في ميزان القوى داخل سوريا، حيث كانت موارد النفط أحد مصادر تمويل قسد الأساسية، ومع فقدانها تخسر هذه القوات ورقة ضغط كبيرة.
في المقابل، تستعيد الدولة السورية ورقة سيادية مركزية: التحكم بثرواتها الطبيعية، وهذا يعزز موقعها التفاوضي إقليمياً ودولياً، سواء في ملفات إعادة الإعمار أو العلاقات الاقتصادية.
ثلاث محافظات تعود لإدارة الدولة
الرقة اليوم ليست فقط مدينة خرجت من عباءة قسد، بل بوابة الطاقة بين الشرق والوسط، ودير الزور هي خزّان النفط والغاز الأكبر، أما الحسكة فهي أرض رميلان والسويدية، أكثر من 1300 بئر نفط و25 بئر غاز.
هذه المحافظات الثلاث كانت طوال سنوات خارج إدارة الدولة، واليوم تعود دفعة واحدة تقريباً.
في الرقة، السيطرة على الطبقة وسد الفرات تضيف بعداً آخر، إذ يشكل سد الفرات، بطاقة توليد تقارب 880 ميغاواط ساعة، عنصر أساسي في أمن الطاقة السوري، وحين تسيطر الدولة على السد وعلى حقول النفط المحيطة به، فهي لا تستعيد مورداً واحداً، بل منظومة موارد مترابطة.

