شؤون أسيوية – خاص-
دخلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية منعطفاً جديداً مع اختتام الجولة الثالثة في جنيف يوم أمس الخميس، 25 فبراير 2025، وسط مشهد إقليمي مشحون عسكرياً وسياسياً، وحسابات دقيقة تتجاوز في عمقها الملف النووي إلى إعادة رسم موازين الردع في غرب آسيا.
اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر جرى بوساطة مباشرة من وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، وبمشاركة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في صيغة جمعت بين القنوات غير المباشرة والاتصالات المحدودة المباشرة، في تطور يعكس إدراك الطرفين أن الوقت يضيق، وأن البدائل خارج الدبلوماسية مكلفة إلى حد يصعب تحمله.
الفجوة البنيوية لا تزال قائمة
من حيث الشكل، بدت الجولة أكثر تنظيماً وتركيزاً من سابقاتها، إلا أن جوهر التفاوض كشف عن فجوة بنيوية لا تزال قائمة، إذ لا تزال إيران تصر على حصر النقاش بالبرنامج النووي ورفع العقوبات، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع المظلة لتشمل البرنامج الصاروخي ودور طهران الإقليمي.
هذه النقطة ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي جوهر الصراع السياسي بين منطقين مختلفين؛ منطق إيراني يعتبر أن فتح ملف الصواريخ يعني المساس بجوهر الردع الوطني، ومنطق أمريكي يرى أن أي اتفاق لا يمس مصادر القوة الإيرانية الأوسع سيكون ناقصاً.
الوفد الإيراني قدّم، بحسب مصادر مطلعة، رؤية تفصيلية تتضمن استعداداً لإبداء مرونة في مستويات التخصيب وآليات إدارة المخزون عالي النسبة، من دون القبول بتفكيك المنشآت أو تصفير التخصيب أو نقل المخزون الاستراتيجي إلى الخارج بشكل كامل.
طهران طرحت إمكانية خفض نسبة تخصيب جزء من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، الذي يُقدّر بنحو 400 كيلوغرام، أو إعادة معالجته بما يخرجه من دائرة الجاهزية الفنية الفورية، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في المقابل، تصر واشنطن على أن استمرار التخصيب داخل إيران يمثل ثغرة بنيوية، وتطالب بضمانات طويلة الأمد، بل دائمة، تحول دون أي قدرة مستقبلية على إنتاج سلاح نووي.
العقوبات عقدة مركزية
وتستند إيران في موقفها إلى عضويتها في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وإلى فتوى المرشد الأعلى علي خامنئي التي تحظر إنتاج أسلحة الدمار الشامل، وهو ما أعاد التأكيد عليه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان علناً، معتبراً أن المسألة ليست تكتيكاً سياسياً بل التزاماً عقائدياً.
لكن واشنطن، التي انسحبت من اتفاق 2015 في عهد إدارة سابقة، تنظر إلى الواقع التقني لا إلى النوايا المعلنة، وتريد قيوداً تتجاوز التعهدات السياسية إلى ترتيبات رقابية صارمة وممتدة زمنياً بلا سقف.
في هذا السياق، برزت مسألة رفع العقوبات كعقدة مركزية، حيث تعتبر طهران أن أي تنازل تقني يجب أن يقابله رفع فوري وملموس للعقوبات الأمريكية وقرارات مجلس الأمن، فيما تميل واشنطن إلى مقاربة تدريجية تربط كل خطوة إيرانية بخطوة مقابلة.
الجديد في هذه الجولة أن مسألة العقوبات نوقشت بجدية، خلافاً لما روجت له بعض التسريبات الأمريكية والإسرائيلية سابقاً، ما يشير إلى إدراك أمريكي بأن الملف الاقتصادي هو نقطة الضغط الأساسية التي يمكن من خلالها اختبار نيات طهران.
الخيار العسكري لا يزال قائماً
في الخلفية، لا يمكن فصل المفاوضات عن الحشد العسكري الأمريكي المتزايد في المنطقة، إذ تظهر صور أقمار صناعية نشر إحدى عشرة مقاتلة من طراز F-22 Raptor في قاعدة إسرائيلية، في رسالة ردع واضحة.
الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تلوّح بالخيار العسكري، وإن كانت تؤكد تفضيلها المسار الدبلوماسي. نائب الرئيس جيه دي فانس صرّح بأن بلاده لا تريد حرباً طويلة في الشرق الأوسط، لكنه لم يستبعد ضربات محددة إذا فشلت المحادثات.
وفي موازاة ذلك، كشفت تقارير عن إحاطة عسكرية قُدمت لترامب حول خيارات محتملة، ما يعكس أن المسار التفاوضي يجري تحت سقف تهديد فعلي، لا رمزي.
تصريحات ترامب في خطاب حالة الاتحاد عن أن إيران تطور صواريخ قد تصل قريباً إلى الولايات المتحدة واجهت تشكيكاً من مصادر استخباراتية نقلتها وكالة رويترز، أشارت إلى أن التقييمات الأمريكية لا تزال ترى أن تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات قابل للاستخدام العسكري قد يحتاج حتى عام 2035، وربما ثماني سنوات إضافية حتى مع مساعدة تقنية خارجية، وهنا تتجلى فجوة أخرى بين الخطاب السياسي والتقدير الاستخباراتي، وهي فجوة تغذي بدورها مناخ الشك المتبادل.
البرنامج الصاروخي تحديداً يمثل خطاً أحمر إيرانياً معلناً، حيث أكدت مصادر قريبة من دوائر القرار في طهران أن إدخال هذا الملف إلى غرفة التفاوض مرفوض سلفاً، وأن أي ربط بين النووي والصاروخي يعني عملياً نسف المفاوضات، فيما يصر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على أن الصواريخ الباليستية تشكل “مشكلة كبيرة” يجب التعامل معها.
هذا التباين يعكس اختلافاً في تعريف التهديد ذاته: واشنطن ترى في الصواريخ أداة هجومية عابرة للحدود، بينما تصفها طهران بأنها عنصر ردع دفاعي في بيئة إقليمية تعج بالقواعد الأمريكية والخصوم المسلحين بأحدث المنظومات.
عُمان تعلن تقدماً مهماً
وعلى الرغم من كل التباين والاختلاف حول بعض القضايا، خرج وزير الخارجية العُماني ليعلن “تقدماً مهماً”، في صياغة دبلوماسية لا تعني اختراقاً حاسماً، لكنها تشير إلى انتقال النقاش من العموميات إلى عناصر اتفاق محتمل.
الاتفاق، إذا ما تشكل، سيعتمد على سلة مترابطة: قيود تقنية محددة، آلية تحقق مشددة بإشراف الوكالة الدولية، جدول زمني لرفع العقوبات، وضمانات بعدم الانسحاب الأحادي كما حدث سابقاً، غير أن المشكلة تكمن في أن الثقة بين الطرفين شبه معدومة، وكل منهما يريد ضمانات لا يملك الآخر أدوات قانونية أو سياسية كافية لتقديمها بشكل نهائي.
الجولة الأكثر جدية
الجولة الثالثة وُصفت من الجانب الإيراني بأنها الأكثر جدية وتركيزاً حتى الآن، مع إقرار بوجود نقاط اتفاق وأخرى خلافية، وبحسب تسريبات، عبّر الوفد الأمريكي في الصباح عن خيبة أمل من بعض الطروحات، قبل أن تعود مصادر أمريكية لتصف المحادثات بالإيجابية في ختام اليوم.
هذا التناقض يعكس دينامية تفاوضية طبيعية في ملفات معقدة، لكنه يعكس أيضاً صراعاً داخلياً في واشنطن بين تيار يريد صفقة سريعة تقلل مخاطر الانزلاق إلى حرب، وآخر يرى أن الفرصة سانحة لفرض شروط قصوى مستفيداً من الضغط الاقتصادي والعسكري.
في الكونغرس الأمريكي، تحرك ديمقراطيون لطرح مشروع قانون يقيّد صلاحيات الرئيس في استخدام القوة ضد إيران دون موافقة تشريعية، في إشارة إلى أن الداخل الأمريكي نفسه ليس موحداً خلف خيار التصعيد. وفي الداخل الإيراني، يواجه النظام ضغوطاً اقتصادية خانقة، ويدرك أن أي تخفيف للعقوبات قد يمنح الاقتصاد جرعة أوكسجين يحتاجها بشدة. هنا تلتقي الحسابات البراغماتية للطرفين، لكن تحت سقف خطوط حمراء صلبة.
تفاصيل المحادثات التقنية
الانتقال إلى محادثات تقنية في فيينا، حيث مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يعني أن النقاش سيدخل مرحلة الأرقام والمعادلات: عدد أجهزة الطرد المركزي، نسب التخصيب، كميات المخزون، آليات التفتيش، جداول التنفيذ، وفي هذه التفاصيل تختبئ السياسة الحقيقية. فكل رقم يعكس ميزان قوة، وكل فقرة قانونية قد تتحول إلى ثغرة مستقبلية.
الواقع أن المفاوضات الحالية ليست فقط حول منع سلاح نووي، بل حول تعريف دور إيران في الإقليم، وحدود النفوذ الأمريكي فيه، خاصة وأن واشنطن تريد كبح قدرات تعتبرها مزعزعة للاستقرار، وطهران تريد اعترافاً بحقها في التكنولوجيا النووية السلمية ورفعاً لعقوبات تعتبرها غير شرعية. بين هذين الهدفين مساحة تفاوض موجودة، لكنها ضيقة، ومليئة بالألغام السياسية.
المشهد إذاً لا يشير إلى اتفاق وشيك، ولا إلى انهيار حتمي، وإنما نحن أمام مسار معقد، يتقدم ببطء، ويتراجع أحياناً، محكوم بمعادلة واضحة: لا أحد يريد الحرب، لكن كلاً منهما يريد اتفاقاً بشروطه.
الأسابيع القليلة المقبلة، وخصوصاً نتائج الجولة التقنية في فيينا، ستكشف إن كان “التقدم المهم” الذي أُعلن في جنيف خطوة فعلية نحو إطار اتفاق، أم مجرد هدنة لفظية في سباق بين الدبلوماسية والتصعيد.

