بقلم يوآف ليمور- كاتب إسرائيلي –
• بعد أربعة أسابيع على اندلاع الحرب، بدأ الإسرائيليون يتلقّون إجابات، وهي ليست شعارات من نوع “ستستمر الحرب بقدر ما يلزم”، أو “ندخل مرحلة الحسم”، بل صورة واضحة: ماذا حققنا حتى الآن؛ ماذا نريد أن نحقق؛ وماذا ينتظرنا في الطريق؟ وهنا تنسيق التوقعات مع الجمهور وتحديد نطاق الحرب. • إن المواطن الإسرائيلي يدفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب: مالياً ونفسياً، وأحياناً جسدياً. وهو مستعد لمواصلة الدفع، بشرط أن تتحقق أهداف الحرب. ومن حقه أن يعرف ما هي هذه الأهداف، وكيف سنعرف أننا حققناها، وماذا سيحدث إن لم تتحقق. من واجب القيادة السياسية أن تقول ذلك، لكنها تتجنب ذلك، خوفاً من اتهامها بالفشل. • في بداية الحرب، فهِم المواطن الإسرائيلي أنها معركة ضد النظام في طهران، ومعركة على مستقبل البرنامج النووي، وعلى مستقبل الصواريخ، وعلى مستقبل الوكلاء، وأن المعركة في الشمال ستسحق حزب الله، لكن كل هذه الفرضيات باتت الآن موضع شك، أو تحتاج إلى مراجعة على الأقل، لكن في إسرائيل لا يوجد مَن يُسأل، ولا مَن يجيب. • وبمناسبة عيد الفصح، هناك أسئلة لا بدّ من طرحها، ولو كان في إسرائيل قيادة سياسية مسؤولة، وليس قيادة مراوغة، لكانت هذه الأسئلة لاقت إجابات جدية. هذا ليس إزعاجاً صحافياً، بل مسألة وجودية تتعلق بالدولة، وبكل مواطن فيها. • هل إسقاط النظام في إيران هو الهدف؟ وهل ستستمر الحرب حتى تحقيقه؟ هل كان هناك تقدير مسبق أن النظام سيسقط؟ وهل فشلت، أو أُحبِطت الخطط لتحقيق ذلك؟ هل لدى إسرائيل خطة لليوم التالي، إذا بقيَ النظام متطرفاً ويسعى للانتقام؟ وهل سنجد أنفسنا في “جولات” متكررة مع إيران، على غرار ما حدث في غزة؟ • هل لدى إسرائيل خطة لإخراج اليورانيوم المخصّب من إيران؟ وماذا ستفعل إذا انتهت الحرب وبقيَ هذا اليورانيوم في يد النظام؟ إلى أي مدى تضررت القدرات العسكرية الإيرانية؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تأخير حقيقي في إعادة التسلح؟ • هل ستستمر المعركة في الشمال حتى استسلام حزب الله، أم ستنتهي بالتوازي مع الحرب ضد إيران؟ وكيف ستتجنب إسرائيل الغرق في المستنقع اللبناني؟ وكيف يمكن الوثوق بالحكومة اللبنانية التي لم تفِ بالتزاماتها؟ • لماذا لا يحصل الشمال على دعم اقتصادي كافٍ يضمن استمراره؟ ولماذا لا توجد حلول حقيقية لأصحاب الأعمال وسائر المتضررين في أنحاء البلد؟ • لماذا لم تستعد الوزارات الحكومية لهذه الحرب على الرغم من توقّعها؟ لماذا لم يُعقد مجلس الطوارئ؟ ولماذا لا توجد منظومة إعلامية وطنية منظمة؟ ولماذا لا توجد خطة لمواجهة المقاطعات الدولية؟ ولماذا يستمر البرلمان في إقرار تشريعات لا علاقة لها بالحرب؟ • ويمكن الاستمرار في طرح الأسئلة: تراجُع مكانة إسرائيل عالمياً، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والوضع في غزة، حيث تتعزز “حماس”، والتوتر في الضفة الغربية، والوضع الاقتصادي، ومستقبل السياحة والزراعة، لكن لا أحد يجيب. الجمهور يتلقى فيديوهات مصقولة مليئة بالشعارات، لكنها خالية من الإجابات، وهذا له اسم: مسؤولية، أو بالأحرى، الهروب من المسؤولية. • ثم هناك مسألة المعاملة؛ في الجنوب، حظيت المدن باهتمام واسع من المسؤولين بعد الهجمات؛ أمّا في الشمال، فتُركت البلدات لمواجهة مصيرها. الفجوة واضحة: الجنوب يحظى بالدعم، بينما الشمال مهمَل، على الرغم من أن ظروفه أصعب كثيراً؛ الوضع في الشمال مختلف تماماً: وقت إنذار أقصر، قصف متواصل، ضغط نفسي واقتصادي أكبر، ومستقبل غامض. ومع ذلك، لم تُعطَ الأولوية له كما يجب. خذوا مسألة التحصينات مثلاً: أكثر من 10 آلاف منزل بالقرب من الحدود غير محصّن، وكذلك مئات المؤسسات التعليمية، هذا الأمر ليس جديداً، بل نتيجة أعوام من الإهمال. • بعد 26 يوماً فقط من الحرب، وصل مسؤولو الحكومة إلى الشمال متأخرين، ومن دون حلول واضحة، وهو ما أثار غضب السكان. وهذا يلخص القصة: لا تخطيط بعيد المدى، بل ارتجال وردّات فعل. …… • يبدو كأن الجمهور يستحق أيضاً إجابات بشأن ما يجري في أكثر مراكز اتخاذ القرار حساسيةً في إسرائيل – مكتب رئيس الوزراء – وفيما يتعلق بالأشخاص المحيطين ببنيامين نتنياهو، فإن أحدهم تلقّى، بحسب الادعاءات، أموالاً من الخارج خلال الحرب؛ والثاني كان متورطاً، وفق الشبهات، في جريمة اغتصاب عنيفة؛ والثالث سُجِّل كلامه وهو يتحدث بشكل مُهين عن اليهود من أصول شرقية (وغيرهم). • كذلك يستحق الجمهور إجابات من وزير الدفاع عن سبب إصراره على عدم إعادة العمل بالاعتقال الإداري لليهود المشتبه في تورُّطهم في الإرهاب في الضفة الغربية، على الرغم من الارتفاع الحاد في عدد الهجمات والضحايا، وكذلك لماذا يصرّ على عدم توقيع شهادة سرية (حظر نشر) تتعلق بأحد عناصر جهاز الأمن العام (الشاباك) في القضية المرفوعة على تيلي غوتليب. • أيضاً، يُطلب من المؤسسة الأمنية تقديم إجابات: ما الذي كانت تتوقع حدوثه في إيران ولبنان؟ وهل انجرت إسرائيل إلى حرب أطول وأكثر تعقيداً مما خططت له؟ في هذا السياق، وردت تقارير هذا الأسبوع بشأن انتقادات موجهة إلى الموساد لعدم تحقيق النتائج التي كان من المفترض أن تؤدي إلى إسقاط النظام في طهران؛ صحيح أن الموساد مطالَب بإجراء مراجعة ذاتية وتقديم إجابات، لكن من الصعب تجاهُل وجود مصالح لدى مَن يسعى لتحميله المسؤولية، ويمكن التقدير أن المرحلة التالية ستشهد اتهام الجيش الإسرائيلي بعدم تحقيق النتائج المطلوبة في مواجهة حزب الله. • إن الحكومات لا تحب النقد، ولا علامات الاستفهام، وفي إسرائيل، تحاول الحكومة إسكاتها، وبشكل خاص في زمن الحرب، عبر شعارات، مثل “اصمتوا، نحن نُطلق النار”، وإذا لزم الأمر عبر الرقابة وأجهزة التحقيق. لكن من واجب الصحافة أن تسأل، ومن حق الجمهور أن يعرف، ومن واجب قادة الدولة أن يجيبوا؛ وفي أيام يهرب فيها الحكم من الحقيقة والمسؤولية ويلاحَق الصحافيون، تصبح هذه الواجبات أكثر أهميةً من أي وقت مضى.
المصدر: صحيفة يسرائيل هيوم الإسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

