شؤون آسيوية – خاص:
في فجرٍ ثقيلٍ بالبارود استيقظ الشرق الأوسط على واحدة من أخطر جولات التصعيد العسكري في تاريخه الحديث، بعدما شنت الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع إسرائيل هجوماً واسع النطاق على إيران، استهدف مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية داخل العمق الإيراني.
الهجوم الذي وصفته واشنطن وتل أبيب بأنه “استباقي” فتح الباب أمام مواجهة مفتوحة، سرعان ما امتدت تداعياتها إلى أجواء الخليج العربي، لتدخل المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التوتر العسكري والسياسي.
غارات في العمق الإيراني وتصعيد بلا إنذار
الضربات الأولى استهدفت مواقع عسكرية حساسة في طهران ومحيطها، إضافة إلى مدن مثل أصفهان وكرمانشاه وكرج.
دوّت الانفجارات في ساعات الصباح الأولى، وأُغلق المجال الجوي الإيراني بالكامل، فيما شوهدت أعمدة الدخان تتصاعد من مناطق متعددة.
واشنطن تحدثت عن عملية تهدف إلى “تحييد قدرات صاروخية ونووية”، بينما اعتبرت طهران أن ما جرى هو “عدوان مباشر على دولة ذات سيادة”، مؤكدة أن الرد سيكون “حازماً ومتناسباً”، وبين الروايتين، بدت المنطقة أمام اختبار عسكري مفتوح الاحتمالات.
الرد الإيراني: صواريخ تتجاوز الحدود إلى الخليج
لم يطل الانتظار.. أعلنت إيران إطلاق موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف عسكرية أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، في عملية وصفتها أنها “الحق المشروع في الدفاع عن النفس”.
ومع انطلاق هذه الصواريخ، دخلت دول الخليج في قلب المشهد.
في الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت، دوت صفارات الإنذار، وفُعّلت أنظمة الدفاع الجوي، وسط تقارير عن اعتراض صواريخ وسقوط شظايا في بعض المناطق.
وأشارت تقارير إعلامية إلى وقوع إصابات محدودة في إحدى المدن الخليجية نتيجة شظايا صاروخية، ما عكس مدى اتساع رقعة المواجهة.
بهذا الرد، لم تعد الحرب محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل تحولت إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات، حيث باتت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج جزءاً من مسرح العمليات.
تحرك دبلوماسي عاجل: عراقجي على خط الاتصالات الإقليمية
في موازاة التصعيد العسكري، تحركت الدبلوماسية الإيرانية بسرعة، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سلسلة اتصالات مع نظرائه في دول المنطقة، شملت السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين والعراق، وفق ما نقلته تقارير إعلامية إقليمية.
وخلال هذه الاتصالات، شدد عراقجي على أن الضربات التي تعرضت لها إيران تمثل “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي”، محذراً من السماح باستخدام أراضي دول الخليج أو أجوائها كمنطلق لعمليات عسكرية ضد بلاده.
وأكد أن طهران لا تسعى إلى توسيع الحرب مع دول الجوار، لكنها سترد على أي اعتداء ينطلق من أراضٍ مجاورة، في رسالة واضحة تحمل أبعاداً أمنية وسياسية في آن واحد.
هذا التحرك عكس محاولة إيرانية للفصل بين استهداف القواعد الأمريكية وبين العلاقات مع الدول الخليجية نفسها، سعياً لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة لا يمكن احتواء آثارها.
ترامب يرفع سقف التصعيد ويخاطب الإيرانيين مباشرة
في خضم التطورات السريعة لم يقتصر دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإعلان عن إطلاق “عمليات قتالية واسعة النطاق ضد إيران”، بل شكّلت تصريحاته جزءاً مركزياً من الخطاب الرسمي الأميركي الذي رافق بداية الحرب.
ترامب أكد في كلمة متلفزة أن الهدف من الهجوم هو القضاء على “التهديدات الوشيكة التي يشكلها النظام الإيراني” ضد الولايات المتحدة وحلفائها، ووصف النظام في طهران بأنه مصدر خطر دائم يستوجب تحجيم قدراته العسكرية والصاروخية.
كما حذر من إمكانية وقوع خسائر بشرية أمريكية أثناء العمليات، لكنه اعتبر ذلك تضحية محتملة في سبيل حماية المصالح القومية الأميركية.
في خطاب آخر خاطب فيه الشعب الإيراني مباشرة، دعا ترامب الإيرانيين إلى التمرد على قيادتهم بعد انتهاء العمليات العسكرية، وشدّد في هذا السياق على دعم واشنطن “بقوة هائلة” للمطالِبين بالتغيير في الداخل الإيراني، في خطاب يستهدف إضعاف شرعية النظام من الداخل إلى جانب المواجهة العسكرية على الأرض.
وقد اعتُبرت هذه التصريحات محاولة من ترامب لربط العمليات الميدانية بأهداف سياسية أوسع، تشمل التغيير الداخلي في إيران وقطع الطريق أمام أي جهود للتخصيب النووي أو تعزيز القدرات الصاروخية.
تحذيرات أوروبية واستنفار دولي
تزامناً مع اتساع رقعة القتال، أصدرت عدة حكومات أوروبية تحذيرات لرعاياها من السفر إلى إيران أو إلى مناطق تشهد توتراً في الشرق الأوسط، ودعت الموجودين هناك إلى توخي أقصى درجات الحذر، كما طُرحت دعوات لعقد جلسة طارئة في مجلس الأمن الدولي لبحث التطورات المتسارعة.
التحذيرات لم تكن أمنية فقط، بل حملت أبعاداً اقتصادية واضحة، إذ تأثرت حركة الطيران المدني بإغلاق مجالات جوية عدة في المنطقة، وسط مخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط إذا استمر التصعيد أو توسع.
بين السيادة والتوازنات: لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة
لا يمكن قراءة ما يجري اليوم كجولة عسكرية عابرة، فهي تمثل نقطة تحول في طبيعة الصراع بين إيران وخصومها، إذ انتقل التوتر من حرب ظل وضربات محدودة إلى مواجهة مباشرة ذات أبعاد إقليمية واضحة، من الغارات التي طالت العمق الإيراني، إلى الصواريخ التي وصلت سماء الخليج، مروراً بالتحركات الدبلوماسية المكثفة، تبدو المنطقة أمام مشهد جديد تتداخل فيه القوة العسكرية بالحسابات السياسية المعقدة.
وبينما تؤكد طهران أن ما قامت به يندرج ضمن حقها في الدفاع عن سيادتها، ترى واشنطن وتل أبيب أن عمليتهما كانت ضرورية لردع تهديدات مستقبلية.
وبين هذين الموقفين، تبقى شعوب المنطقة هي الأكثر ترقباً لما ستؤول إليه الأيام المقبلة، في صراع مفتوح على كل الاحتمالات.

