شؤون آسيوية – عواصم عربية –
في تطور سريع للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أعلنت طهران مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، في خطوة اعتبرها مراقبون ضربة قوية للنظام الإيراني تفتح الباب واسعا لمرحلة انتقالية، قد تدفع الإيرانيين إلى المزيد من الاصطفاف الداخلي في مواجهة براثن وأطماع الولايات المتحدة الأمريكية.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس (السبت)، مقتل خامنئي في اليوم الأول للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو ما أكده التلفزيون الإيراني رسميا.
واليوم، أكد ترامب في مقابلة مع قناة ((فوكس نيوز))، مقتل 48 من القادة الإيرانيين خلال الغارات المستمرة على إيران، قبل أن يضيف أن “الأمور تتطور بسرعة، ولا أحد يصدق النجاح الذي نحققه، فقد سقط 48 قائدا بضربة واحدة”.
ووفقا للإعلام الإيراني الرسمي، فقد قتل وزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، والقائد العام للحرس الثوري محمد باكبور، وأمين مجلس الدفاع علي شمخاني.
وأكد مراقبون، تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا))، أن هذه الاغتيالات، التي وصفوها بأنها “انتكاسة كبيرة لإيران”، تعكس “استراتيجية إسرائيلية أمريكية تركز على تصفية القادة كأولوية لشل القدرة على اتخاذ القرارات والتنسيق العسكري”.
ومع ذلك، شددوا على أن استسلام إيران للمطالب الأمريكية غير وارد أبدا في هذه الفترة، لكن ربما تحاول الموازنة مع تجنب أي انزلاق قد يهدد بقاء الدولة ويخرج الأمور عن سيطرتها.
— صدمة سياسية وأمنية
وقال الخبير الفلسطيني عبد القادر حماد إن مقتل المرشد علي خامنئي والقادة العسكريين في الساعة الأولى من الحرب “ضربة قوية للنظام الإيراني”، مشيرا إلى أن “هذا الاغتيال يعكس استراتيجية إسرائيلية أمريكية تركز على تصفية القادة كأولوية لشل القدرة على اتخاذ القرارات والتنسيق العسكري”.
وعزا حماد فشل إيران في حماية قادتها إلى أسباب متعددة “أولا، عدم اتخاذ تدابير كافية رغم معرفة القادة بأنهم مستهدفون من إسرائيل وأمريكا، ثانيا: الثقافة الدينية لقدسية الاستشهاد والفخر بالشهادة، ثالثا: ثغرات في الاستخبارات الإيرانية وتسلل أجنبي (مثل الموساد) في أعلى المستويات”.
وشاطره الرأي المحلل السوداني عادل حسن، الذي اعتبر أن اغتيال خامنئي “صدمة سياسية وأمنية للنظام الإيراني”، لأن المنصب الذي يشغله لا يقتصر على الدور الديني بل يمتد إلى الإشراف على مؤسسات الدولة السيادية والعسكرية.
بدوره، قال السياسي اليمني حمزة الكمالي إن مقتل المرشد الإيراني “لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، لأن الرجل هو عراب المشروع النووي، وممول الميليشيا في المنطقة، ومقتله ضربة غير مسبوقة لمشروع ولاية الفقيه، ولا يمكن تعويضه”.
وأضاف أن “فشل إيران في حماية قادتها يؤكد أن الاختراق الأمني والاستخباراتي كان كبير جدا، وهذا لسببين رئيسيين هما فارق التقنية وغياب الحاضنة الاجتماعية للنظام”.
في حين اعتبر الدكتور محمد الجبوري أستاذ الاعلام بالجامعة العراقية أن “مقتل المرشد الأعلى انتكاسة كبيرة لإيران، وفشل ذريع للأجهزة الأمنية والاستخبارية الإيرانية، ودليل على أن هذه الأجهزة مخترقة بشكل كبير”.
أما الدكتور خالد الحروب أستاذ العلوم السياسية والنزاعات بجامعة نورث وسترن في قطر، فرأى أن اغتيال خامنئي يمثل “تحولاً بنيوياً عميقا” في تركيبة النظام الإيراني، بحكم الطبيعة المحورية لمنصب المرشد الأعلى منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية العام 1979.
وتابع أن “التزامن بين غياب رأس الهرم السياسي وخسائر في المستويات العليا للمؤسسة العسكرية يخلق بيئة شديدة الحساسية قد تدفع نحو إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل النظام أو نحو اصطفاف داخلي واسع تحت عنوان حماية الدولة في مواجهة تهديد خارجي”.
فيما اعتبر عبدالعزيز الشعباني الباحث السعودي في مركز (الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية)، أن مقتل المرشد الأعلى “تطور مزلزل لبنية النظام الإيراني، لأنه يضرب رأس الهرم السياسي الديني، ويخلق فراغا في لحظة حرب وضغط خارجي كبير”.
وأوضح أن “مثل هذه الضربة ستغير حسابات كثير في القيادة، وتفتح بابا واسعا لمرحلة انتقالية حساسة في إيران”، وأرجع اغتيال المرشد إلى وجود “اختراق استخباراتي عميق” تم من خلاله متابعة تحركات المرشد، و”تفوق في الرصد والاستهداف الدقيق” ليتم الاغتيال مع أول ضربة مستفيدة من عنصر المفاجأة.
— تداعيات اغتيال المرشد
ورأى الجبوري أن “إيران بعد خامنئي ستكون أضعف، وستخسر الكثير من مؤيديها في المنطقة، كون خامنئي يمثل مرجعية دينية للكثير من الشيعة حتى خارج إيران”.
في حين قال عادل حسن إن التأثير الأول لاغتيال خامنئي سيكون داخليا، حيث ستتجه الأنظار إلى آليات انتقال السلطة داخل مؤسسات النظام، لا سيما مجلس خبراء القيادة والحرس الثوري، مشيرا إلى أن درجة التماسك بين هذه المؤسسات ستحدد ما إذا كانت إيران ستشهد انتقالا سلسا أم حالة من التنافس الحاد بين مراكز القوى.
وأوضح أن أي فراغ أو صراع داخلي قد ينعكس مباشرة على سياسات إيران الإقليمية، سواء عبر انكفاء مؤقت لترتيب البيت الداخلي أو عبر تصعيد خارجي يستخدم لتوحيد الجبهة الداخلية وامتصاص الضغوط.
وأشار إلى أن اغتيال خامنئي قد يدفع إيران نحو التصعيد، وهو أمر قد يفتح بابا لسيناريوهات أكثر تعقيدا.
من جانبه، اعتبر الخبير السوداني في الشؤون الإقليمية الدكتور مأمون الطيب أن اغتيال خامنئي قد يدفع إيران إلى أحد مسارين: تعزيز القبضة الأمنية داخلياً لضمان الاستقرار أو تبني خطاب تعبوي يعزز الالتفاف الشعبي حول النظام.
وقال الطيب إن “التجربة الإيرانية أظهرت قدرة على امتصاص الضغوط عبر إعادة ترتيب الأولويات لكن اغتيال رأس الهرم يظل اختبارا غير مسبوق لحجم التماسك بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري ومراكز القرار السياسي”.
وأضاف أن انعكاسات اغتيال خامنئي لن تقتصر على الداخل الإيراني، بل ستمتد إلى ساحات النفوذ الإقليمي، حيث قد تشهد بعض الجبهات إما تهدئة مؤقتة لإعادة الحسابات أو تصعيدا يهدف إلى تثبيت معادلات ردع جديدة.
بدوره، رأى الباحث السوداني في العلاقات الدولية سامي عبد الرحمن إن “اغتيال رأس الهرم قد يفسر في طهران كاستهداف مباشر للنظام، ما قد يرفع سقف الردود ويزيد التوتر الإقليمي”.
بينما رأى المحلل السوداني عبد الخالق محجوب أن اغتيال خامنئي “لا يمكن فهمه بمعزل عن رهانات استراتيجية تسعى إلى إحداث تغيير داخلي سريع في إيران يفضي إلى حسم الصراع بأقل كلفة عسكرية مباشرة”.
إلا أن محجوب حذر من أن الاغتيال قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تماما عبر تعزيز النزعة الوطنية وتوسيع دائرة التضامن، حتى بين شرائح تختلف مع السياسات الداخلية لكنها قد ترى في الحدث مساساً بسيادة الدولة.
وأشار إلى أن الرهان على تفكك سريع قد يصطدم بطبيعة النظام الإيراني القائم على مؤسسات متعددة المستويات، دينية وأمنية وسياسية، تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والضغوط.
ولفت إلى أن “أي محاولة لدفع الأوضاع نحو اضطرابات داخلية واسعة لن تبقى تداعياتها محصورة داخل إيران بل ستنعكس على مجمل التوازنات الإقليمية، من أمن الخليج إلى استقرار أسواق الطاقة”، واعتبر أن “كلفة الفوضى المحتملة قد تتجاوز بكثير المكاسب التكتيكية المرجوة من إحداث تغيير سريع في قمة السلطة”.
— هل ينهار النظام الإيراني؟
وقال عبد القادر حماد “لا أتوقع أن ينهار النظام الإيراني سريعا بفضل حاضنته العقائدية التي أتت به وتحميه منذ نصف قرن، وطريقة ترامب في محاولة استبداله بعملية جراحية ستولد وضعا مريرا دون نظام جديد مستقر، ومن السذاجة اعتبار الاغتيال خطوة حاسمة نحو استبدال النظام، فالتغيير يجب أن يكون داخليا لا بتدخل خارجي ينتج قتلا ودمارا”.
إلا أن الكمالي رأى أنه “لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما سيحصل لايران بعد مقتل المرشد لكننا نرى أن إيران من خلال ردها تستعدي المنطقة بأكملها “.
أما الكاتب السياسي خالد حماد، فرأى أن المرحلة المقبلة في إيران ستتحدد وفق مسارين متداخلين، “الأول داخلي يتعلق بقدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على إدارة انتقال السلطة بسلاسة خلال فترة الحداد المعلنة، ونجاح هذه العملية سيعزز صورة التماسك المؤسسي، بينما أي تعثر قد يفتح الباب أمام تنافس حاد داخل النخبة، والمسار الثاني خارجي يرتبط بإدارة التصعيد العسكري”.
— استسلام أم ثأر
وأوضح الشعباني، أنه “رغم تصميم الولايات المتحدة على القضاء على رموز النظام الإيراني إلا أن استسلام إيران غير وارد أبدا في هذه الفترة، لكن ربما تحاول الموازنة مع تجنب أي انزلاق قد يهدد بقاء الدولة ويخرج الأمور عن سيطرتها”.
وأضاف أن “إيران في هذه اللحظات تضرب في كل اتجاه حتى تثبت أن النظام موجود ولديه قوة، ولو لم يكن النظام على ثقة بإمكانياته لما استمر في الإصرار على حقوقه في تخصيب اليورانيوم خلال المفاوضات، وهو يعلم أن هذا الإصرار سيجلب الحرب”.
واتفق معه حماد بقوله “لا أعتقد أن إيران بعد خامنئي ستستسلم لمطالب أمريكا وإسرائيل، فالحفاظ على النظام أو تغييره لا يتم بتدخل خارجي ينتج قتلا ودمارا”.
وتابع أن إيران ستختار الثأر والتصعيد، وهي قادرة على الصمود والرد خارج حدودها، مما يحول الصراع إلى استنزاف طويل أو إقليمي واسع، مع إعادة تنظيمها وتعزيز التماسك الداخلي ضد العدو الخارجي.
وأردف أن “إسرائيل لا تملك رفاهية حرب طويلة بسبب مجتمعها الصغير واقتصادها، بينما أمريكا تتجنب الغزو البري بسبب تجاربها السابقة، والرد الإيراني سيكون تصعيداً محسوبا قويا للحفاظ على الشرعية، عبر هجمات صاروخية ووكلاء، مما يزيد من الحرب الاستنزافية بدلا من التهدئة الفورية، ويجعل انتهاء الحرب سريعاً غير محتمل”.
في حين رأى الكمالي، أن هناك خيارين أمام إيران بعد مقتل المرشد هما “إما تسوية بشروط أمريكية تشمل البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، أو انهيار وتغير داخلي للنظام نحو انتقال السلطة”.
وتابع أن “إيران اليوم بدون قيادة حقيقية، فقد رحل الرجل صاحب المشروع، ولن يستطيع أحد أن يغطي مكانه”.
إلا أن الجبوري قال “لا أعتقد أن إيران سوف تستسلم لمطالب أمريكا وإسرائيل بسرعة خاصة بعد مقتل خامنئي بل أن الإيرانيين سوف يثأرون لمقتل زعيمهم الديني، وربما تطول الحرب أكثر مما هو متوقع، إلا إذا استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل أسلحة محرمة دوليا”.
— تأثير اغتيال خامنئي على الوضع الميداني
وأوضح حماد أن “مقتل خامنئي سيؤثر ميدانيا بفقدان خبرة مميزة لا تحسم الحرب لكن ضرر فقدانها لا يمكن إنكاره، مع أثر معنوي سلبي على المقاتلين الذين يعتمدون على قيادتهم لمواصلة القتال”.
وأردف أن “إيران مع ذلك قادرة على إعادة التنظيم ونقل مراكز القيادة بفضل جغرافيتها الشاسعة وتضاريسها المعقدة، مما يمنحها قدرة على امتصاص الضربات الأولى والصمود في حرب استنزاف طويلة، حيث القصف الجوي يدمر بنى تحتية لكنه لا يسيطر على الأرض أو يفرض إرادة سياسية”.
وتابع أن “الضربات قد تؤدي إلى نتيجة عكسية بتعزيز التماسك الداخلي والتفاف المجتمع حول النظام الإيراني ضد العدو الخارجي، مع خطر تصعيد انتقامي من حزب الله والحوثيين وحماس لإثبات الوجود، لكن دون حسم، مما يزيد من احتمال تحول الحرب إلى إقليمية واسعة”.
في حين قال الجبوري إنه “رغم أن خامنئي هو القائد الأعلى للقوات الإيرانية ويدير كل شؤون البلاد الأساسية، لكن غيابه لن يؤثر على الوضع الميداني بشكل كبير، لأن القوات الإيرانية تتلقى الأوامر من قادتها المباشرين، ربما مقتل خامنئي يزيد من حماس المقاتلين للثأر لزعيمهم الديني والروحي، وهذا سيرفع معنوياتهم للاستمرار في القتال”.
المصدر: شينخوا

