شؤون آسيوية – ديما دعبول:
في ظل الحرب الدائرة والتحولات العسكرية والسياسية المتسارعة في المنطقة، يتركز اهتمام مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الدولية على مآلات الصراع وانعكاساته بعيدة المدى على بنية النظام الإقليمي.
فالحرب بما تحمله من استنزاف اقتصادي وأمني، لا تُقاس نتائجها فقط بخريطة السيطرة الميدانية، بل بمدى قدرتها على إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تتناول تحليلات غربية وإسرائيلية وصينية وعربية سيناريو إضعاف إيران، لا اختفائها، باعتباره احتمالاً أكثر واقعية، مع ما قد يحمله ذلك من إعادة رسم للتحالفات وموازين الردع.
واشنطن بين تقليص الانخراط وبناء منظومة ردع إقليمي
تذهب تحليلات في نيويورك تايمز وواشنطن بوست إلى أن إضعاف إيران سيمنح الولايات المتحدة هامشاً أوسع لإعادة صياغة هندسة الأمن الإقليمي.
فبدلاً من الانخراط العسكري المباشر والمكلف، قد تميل واشنطن إلى تعزيز التحالفات الدفاعية الإقليمية، وتوسيع التعاون الاستخباري، ودعم ترتيبات ردع جماعي تضم دولاً عربية إلى جانب إسرائيل.
في المقابل، تشير تقديرات صادرة عن مؤسسة بروكينغز ومجلس العلاقات الخارجية إلى أن إضعاف طهران لا يعني انتهاء التحدي، بل انتقاله إلى مرحلة احتواء النفوذ المتبقي ومنع إعادة ترميمه.
كما تحذر هذه المراكز من أن الضغط المفرط قد يدفع إلى مزيد من عدم الاستقرار، ما يتطلب توازناً بين الردع والانخراط الدبلوماسي.
إسرائيل بين ترسيخ التفوق واستمرار المواجهة غير المباشرة
في إسرائيل، تنقل الصحف تحليلات تعتبر أن إضعاف إيران سيخفف من مستوى التهديد المباشر، لكنه لن يُنهي المواجهة بالكامل.
فبحسب قراءات في هآرتس وجيروزاليم بوست، ترى المؤسسة الأمنية أن طهران، حتى وهي أضعف، ستبقى لاعباً مؤثراً عبر شبكات نفوذها الإقليمية.
وتشير هذه التحليلات إلى أن تل أبيب قد تسعى لاستثمار أي تراجع إيراني لتعميق مسار التطبيع وتوسيع التعاون الأمني مع دول عربية،
مع الإبقاء على سياسة الردع والعمليات غير المباشرة لمنع إعادة بناء القدرات الإيرانية. كما يبرز في النقاش الإسرائيلي إدراك بأن الصراع سيتحول أكثر إلى مواجهة طويلة الأمد منخفضة الحدة بدلاً من حسم نهائي.
أوروبا بين هاجس الطاقة والاستقرار
يرى محللون في صحف أوروبية مثل فايننشال تايمز والإيكونوميست أن أي إضعاف لإيران ستكون له تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة وأمن الملاحة في الخليج.
أوروبا، التي تأثرت سابقاً باضطرابات سلاسل الإمداد، ستتعامل مع التطورات من زاوية الاستقرار الاقتصادي أولاً.
وتشير هذه القراءات إلى أن الأوروبيين قد يدعمون ترتيبات تخفف التوتر وتمنع انزلاق المنطقة إلى فوضى أوسع، مع الحفاظ على قنوات تواصل دبلوماسية تتيح احتواء التصعيد بدلاً من تعميقه.
الصين: تثبيت المصالح في بيئة متغيرة
في وسائل إعلام صينية مثل غلوبال تايمز، يُنظر إلى استقرار الشرق الأوسط كشرط أساسي لتوسيع الحضور الاقتصادي الصيني.
وترى هذه التحليلات أن إضعاف إيران قد يعيد ترتيب أولويات بعض الدول، لكنه لا يلغي الحاجة إلى شراكات اقتصادية واسعة مع الصين، خصوصاً ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق.
في المقابل، تشير تقارير غربية إلى أن بكين ستسعى للحفاظ على توازن دقيق، بحيث تواصل تعاونها مع الدول العربية، وتتفادى في الوقت نفسه الانخراط في محاور عسكرية أو صراعات مفتوحة.
الدول العربية وسياسة التوازن
في الإعلام العربي، تنقل تحليلات في الشرق الأوسط والجزيرة توجهاً يعتبر أن إضعاف إيران لن يدفع الدول العربية إلى الارتهان الكامل لأي محور، بل سيعزز سياسة تنويع الشركاء.
فالمعادلة، وفق هذه القراءات، تقوم على الاستفادة من المظلة الأمنية الأميركية عند الحاجة، مع تعميق العلاقات الاقتصادية مع الصين، والحفاظ على قنوات إقليمية مفتوحة.
وتخلص هذه التحليلات إلى أن إيران، حتى في حال تعرضها لضغوط أو استنزاف، ستبقى جزءاً من المعادلة الإقليمية، وأن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة غياب لاعب، بل إعادة تموضع لقوى متعددة في مشهد يتسم بتوازنات دقيقة وصراع نفوذ طويل الأمد.
