شؤون آسيوية – ديما دعبول –
مع تصاعد التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، بات الذكاء الاصطناعي عنوان المرحلة ومحور إعادة تشكيل موازين القوة العالمية.
لم يعد السباق تكنولوجياً بحتاً، بل أصبح اقتصادياً وأمنياً وجيوسياسي، تتقاطع فيه الرقائق الإلكترونية مع الخوارزميات، وتتحول فيه المدن الذكية إلى مختبرات نفوذ عالمي.
بكين تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كرافعة للاستقلال التكنولوجي وكأداة لتعزيز موقعها في النظام الدولي، بينما تواصل واشنطن فرض قيود صارمة على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها.
من الرقائق إلى الروبوتات: كيف تبني الصين منظومة AI متكاملة؟
القيود الأميركية على تصدير الشرائح المتقدمة دفعت بكين إلى تسريع خططها لتطوير بدائل محلية عالية الأداء، مع ضخ استثمارات ضخمة في قطاع أشباه الموصلات.
شركات توسّع قدراتها الإنتاجية، فيما تعمل أخرى على تطوير معالجات خاصة بها لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
هذا التوجه لا يقتصر على التصنيع، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تشمل البحث العلمي، وحاضنات الشركات الناشئة، وربط الجامعات بالصناعة.
الحكومة الصينية ضاعفت التمويل الموجه لمختبرات الذكاء الاصطناعي، وأطلقت برامج لدمج التقنية في قطاعات التصنيع المتقدم، النقل، الرعاية الصحية، والخدمات الحكومية، ضمن استراتيجية طويلة الأمد لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية.
الحرب الباردة الرقمية: من يتصدر سباق الذكاء الاصطناعي؟
المنافسة انتقلت إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث تتسابق شركات صينية لتطوير منصات تضاهي نظيراتها الأميركية.
السباق لا يتعلق فقط بقوة النماذج، بل أيضاً بسرعة نشرها تجارياً في السوق المحلية الضخمة، التي تمنح الشركات الصينية ميزة البيانات والتجريب واسع النطاق.
في الوقت ذاته، توسّع بكين حضورها في أسواق آسيا وأفريقيا عبر تصدير حلول المدن الذكية، شبكات الجيل الخامس، ومنصات الحوسبة السحابية، ما يعزز نفوذها الرقمي خارج حدودها.
سباق براءات الاختراع في مجالات الروبوتات الصناعية، السيارات ذاتية القيادة، وتقنيات التعرف على الوجه يعكس رغبة صينية واضحة في قيادة المرحلة المقبلة من الثورة الصناعية الرابعة.
الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والرقابة
رغم الدعم الحكومي الكبير، تواجه الشركات الصينية تحديات داخلية معقدة.
تشديد الرقابة التنظيمية على عمالقة التكنولوجيا خلال السنوات الماضية أعاد رسم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.
تسعى بكين إلى تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الابتكار وضمان السيطرة على تدفق البيانات وحمايتها باعتبارها مورداً استراتيجياً.
كما أن هجرة بعض الكفاءات التقنية إلى الخارج تطرح تساؤلات حول قدرة الصين على الحفاظ على أفضل المواهب في بيئة تنافسية عالمية.
ومع ذلك، تستثمر الدولة بكثافة في التعليم والبحث العلمي لتعويض أي فجوات محتملة.
التكنولوجيا في مهرجان الربيع: واجهة القوة الناعمة الرقمية
حتى في الفضاء الثقافي، تحضر التكنولوجيا كأداة استعراض للقوة الرقمية، فخلال فعاليات مهرجان الربيع، جرى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز في العروض التلفزيونية والاحتفالات العامة، بما في ذلك روبوتات راقصة، مؤثرات بصرية مدعومة بالخوارزميات، وأنظمة بث ذكية تتفاعل مع الجمهور لحظياً.
هذه الاستخدامات لا تعكس تطوراً تقنياً فحسب، بل تقدم صورة عن مجتمع يسعى إلى دمج الابتكار في تفاصيل حياته اليومية، من الترفيه إلى الإدارة الحضرية.
الاستقلال التكنولوجي… هدف استراتيجي لبكين
تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى عنصر أساسي في الحسابات الجيوسياسية.
المخاوف الغربية من الاستخدامات العسكرية والأمنية للتقنيات المتقدمة دفعت إلى تشكيل تحالفات تكنولوجية جديدة في آسيا وأوروبا لموازنة النفوذ الصيني.
في المقابل، ترى بكين أن تحقيق الاكتفاء في الرقائق والأنظمة الذكية مسألة سيادة وطنية لا تقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الطاقي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تنجح الصين في كسر احتكار التكنولوجيا المتقدمة وبناء منظومة مستقلة قادرة على منافسة الهيمنة الأميركية؟ المؤشرات تشير إلى سباق طويل الأمد، عنوانه الابتكار وأدواته البيانات والرقائق وساحته العالم بأسره.

